محمد بن يزيد المبرد

428

المقتضب

المعنى : البخل هو خيرا لهم ، فدلّ عليه بقوله « يبخلون » . وقال الشاعر [ من الطويل ] : ألا أيّ هذا الزاجري أحضر الوغى * وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي [ 1 ] فالمعنى : عن أن أحضر الوغى ، كقولك : عن حضور الوغى . فلمّا ذكر « أحضر الوغى » ، دلّ على الحضور . وقد نصبه قوم على إضمار « أن » ، وقدّموا الرفع . وسنذكر ذلك باستقصاء العلّة فيه إن شاء اللّه . فأمّا الرفع ، فلأنّ الأفعال لا تضمر عواملها ، فإذا حذفت ، رفع الفعل ، وكان دالّا على مصدره بمنزلة الآية ، وهي : هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ « 2 » ثم قال : تُؤْمِنُونَ « 3 » . وكذلك لو قال قائل : « ما ذا يصنع زيد » ؟ فقلت : « يأكل » أو « يصلّي » - لأغناك عن أن تقول : « الأكل » أو « الصلاة » . ألا ترى أنّ الفعل إنّما مفعوله اللازم له إنّما هو المصدر ، لأنّ قولك : « قد قام زيد » بمنزلة قولك : « قد كان منه قيام » ، و « القيام » هو النوع الذي تعرفه وتفهمه . ولو قلت : « ضرب زيد » ، لعلمت أنّه قد فعل ضربا واصلا إلى مضروب ، إلّا أنّك لا تعرف المضروب بقوله : « ضرب » وتعرف المصدر . وأمّا الذين نصبوا ، فلم يأبوا الرفع ، ولكنّهم أجازوا معه النصب ؛ لأنّ المعنى إنّما حقّه ب « أن » وقد أبان ذلك فيما بعده بقوله : « وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي » ؟ فجعله بمنزلة الأسماء التي يجيء بعضها محذوفا للدلالة عليه . وفي كتاب اللّه عزّ وجلّ : يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ « 4 » فالقول عندنا أنّ « من » مشتملة على الجميع ؛ لأنّها تقع للجميع على لفظ الواحد . وقد ذهب هؤلاء القوم إلى أنّ المعنى : « ومن في الأرض » . وليس المعنى عندي كما

--> [ 1 ] تقدّم بالرقم 146 . ( 2 ) الصف : 10 . ( 3 ) الصف : 11 . ( 4 ) الرحمن : 29 .